ابن الجوزي
95
صفة الصفوة
وكنت قد حظيت عنده . فقضي من القضاء أني اشتغلت بشيء مما يشتغل به الفتيان ، فنقل ذلك إلى أبي عثمان وانقطعت عنه بعد ذلك . وكنت إذا رأيته في الطريق اختفيت فدخلت يوما سكّة من السكك فخرج عليّ أبو عثمان من عطفة فلم أجد عنه محيصا ، فتقدمت إليه وأنا دهش متشوّر « 1 » . فقال لي : يا أبا عمرو لا تثقنّ بمودة من لا يحبّك إلا معصوما . محمد بن حمدويه الحافظ قال : سمعت أمي تقول : سمعت مريم امرأة أبي عثمان تقول : كنا نؤخّر اللعب والضحك والحديث إلى أن يدخل أبو عثمان في ورده من الصلاة فإنه كان إذا دخل الخلوة لم يحسّ بشيء من الحديث وغيره . محمد بن نعيم الضبي قال : سمعت أمي تقول : سمعت مريم امرأة أبي عثمان تقول : صادفت من أبي عثمان خلوة فاغتنمتها فقلت : يا أبا عثمان أيّ عملك أرجى عندك ؟ فقال : يا مريم لما ترعرعت وأنا بالري كانوا يريدونني على التزويج فأمتنع ، فجاءتني امرأة فقالت : يا أبا عثمان قد أحببتك حبا أذهب نومي وقراري ، وأنا أسألك بمقلّب القلوب وأتوسل به إليك أن تتزوج بي . قلت : ألك والد ؟ قالت : نعم ، فلان الخيّاط في موضع كذا وكذا فراسلت أباها أن يزوّجها مني ففرح بذلك وأحضرت الشهود فتزوّجتها . فلما دخلت بها وجدتها عوراء عرجاء شوهاء الخلق . فقلت : اللهم لك الحمد على ما قدّرته لي . وكان أهل بيتي يلومونني على ذلك وأزيدها برا وإكراما إلى أن صارت بحيث لا تدعني أخرج من عندها . فتركت حضور المجالس إيثارا لرضاها وحفظا لقلبها . ثم بقيت معها على هذه الحال خمس عشرة سنة وكأني في بعض أوقاتي على الجمر وأنا لا أبدي لها شيئا من ذلك ، إلى أن ماتت فما شيء أرجى عندي من حفظي عليها ما كان في قلبها من جهتي . أبو عمرو بن حمدان قال : سمعت أبا عثمان الحيري يقول : من أمر السنّة على نفسه قولا وفعلا نطق بالحكمة ، ومن أمرّ الهوى على نفسه نطق بالبدعة لقوله تعالى وَإِنْ تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا [ سورة النور آية 54 ] .
--> ( 1 ) أي خجل .